الشنقيطي
140
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
تلقي الإلهام بقسيمة : الفجور والتقوى ، ثم تسلك أحد الطريقين ، فكأن مجيء القسم بها بعد تلك المسميات دلالة على عظم ذاتها وقوة دلالتها على قدرة خالقها ، وما سواها مستعدة قابلة لتلقي إلهام اللّه إياها . تنبيه وفي مجيئها بعد الآيات الكونية . من شمس وقمر وليل ونهار ، وسماء وأرض ، لفت إلى وجوب التأمل في تلك المخلوقات ، يستلهم منها الدلالة على قدرة خالقها والاستدلال على تغير الأزمان ، وحركة الأفلاك ، وإحداث السماء بالبناء أنه لا بد لهذا العالم من صانع ، ولا بد للمحدث المتجدد من فناء وعدم . كما عرض إبراهيم عليه السلام على النمروذ نماذج الاستدلال على الربوبية والألوهية ، فأشار إلى الشمس أولا ، ثم إلى القمر ، ثم انتقل به إلى اللّه سبحانه . وقوله : فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها [ الشمس : 8 ] ، إن كان ألهمها بمعنى هداها وبين لها ، فهو كما في قوله : وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ [ البلد : 10 ] ، وقوله : إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ [ الإنسان : 3 ] ، وهذا على الهداية العامة ، التي بمعنى الدلالة والبيان . وإن كان بمعنى التيسير والإلزام ، ففيه إشكال القدر في الخير الاختيار . وقد بحث هذا المعنى الشيخ رحمة اللّه تعالى علينا وعليه في دفع إيهام الاضطراب بحثا وافيا . قوله تعالى : قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها ( 9 ) وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها ( 10 ) [ الشمس : 9 - 10 ] . هذا هو جواب القسم فيما تقدم ، فالواو قد حذفت منه اللام لطول ما بين المقسم به والمقسم عليه . وقد نوه عنه الشيخ رحمة اللّه تعالى علينا وعليه عند الكلام على قوله تعالى : إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ [ ص : 64 ] ، من سورة ص ، وأنهم استدلوا لهذه الآية عليه . والأصل : لقد أفلح ، فحذفت اللام لطول الفصل ، وزكاها بمعنى طهّرها ، وأول ما يطهرها منه دنس الشرك ورجسه ، كما قال تعالى : إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ [ التوبة : 28 ] ، وتطهيرها منه بالإيمان ثم من المعاصي بالتقوى ، كما في قوله تعالى :